فخر الدين الرازي
416
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
النار ، وأن يدخل المذنبين الجنة ، وقالوا : إنه تعالى ذكر ذلك على سبيل الاستبعاد ، ولولا أنه ممتنع في العقول ، وإلا لما حسن هذا الاستبعاد ، وأكد القفال ذلك فقال : لا يجوز في الحكمة أن يسوى المسئ بالمحسن ، فإن فيه إغراء بالمعاصي وإباحة لها وإهمالا للطاعات . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 163 ] هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 163 ) [ في قوله تعالى هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ] وفيه مسائل . المسألة الأولى : تقدير الكلام : لهم درجات عند اللّه ، إلا أنه حسن هذا الحذف ، لأن اختلاف أعمالهم قد صيرتهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها . فكان هذا المجاز أبلغ من الحقيقة والحكماء يقولون : إن النفوس الانسانية مختلفة بالماهية والحقيقة ، فبعضها ذكية وبعضها بليدة ، وبعضها مشرقة نورانية ، وبعضها كدرة ظلمانية ، وبعضها خيرة وبعضها نذلة ، واختلاف هذه الصفات ليس لاختلاف الأمزجة البدنية ، بل لاختلاف ماهيات النفوس ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضة » وقال : « الأرواح جنود مجندة » وإذا كان كذلك ثبت أن الناس في أنفسهم درجات ، لا أن لهم درجات . المسألة الثانية : هُمْ عائد إلى لفظ « من » في قوله : أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ [ آل عمران : 162 ] ولفظ « من » يفيد الجمع في المعنى ، فلهذا صح أن يكون قوله : هُمْ عائدا اليه ، ونظيره قوله : أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ فان قوله : يَسْتَوُونَ صيغة الجمع وهو عائد إلى « من » . المسألة الثالثة : هُمْ ضمير عائد إلى شيء قد تقدم ذكره ، وقد تقدم ذكر من اتبع رضوان اللّه وذكر من باء بسخط من اللّه ، فهذا الضمير يحتمل أن يكون عائداً إلى الأول ، أو إلى الثاني ، أو إليهما معاً ، والاحتمالات ليست إلا هذه الثلاثة . الوجه الأول : أن يكون عائدا إلى فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ وتقديره : أفمن اتبع رضوان اللّه سواء ، لا بل هم درجات عند اللّه على حسب أعمالهم ، والذي يدل على أن هذا الضمير عائد إلى من اتبع الرضوان وأنه أولى ، وجوه : الأول : أن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب ، والدركات في أهل العقاب . الثاني : أنه تعالى وصف من باء بسخط من اللّه ، وهو أن مأواهم جهنم وبئس المصير ، فوجب أن يكون قوله : هُمْ دَرَجاتٌ وصفا لمن اتبع رضوان اللّه . الثالث : أن عادة القرآن في الأكثر جارية بأن ما كان من الثواب والرحمة فان اللّه يضيفه إلى نفسه ، وما كان من العقاب لا يضيفه إلى نفسه ، قال تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ وقال : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ [ البقرة : 178 ] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [ البقرة : 183 ] فما أضاف هذه الدرجات إلى نفسه حيث قال : هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ علمنا أن ذلك صفة أهل الثواب . ورابعها : أنه متأكد بقوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [ الإسراء : 21 ] . والوجه الثاني : أن يكون قوله : هُمْ دَرَجاتٌ عائدا على كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ والحجة أن الضمير عائد إلى الأقرب وهو قول الحسن ، قال : والمراد أن أهل النار متفاوتون في مراتب العذاب ، وهو كقوله : وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا * [ الأحقاف : 19 ] وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن فيها ضحضاحاً وغمراً وأنا أرجو أن يكون أبو طالب في ضحضاحها » و قال عليه الصلاة والسلام : « أن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل يحذى له نعلان من نار يغلي من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل أحد يعذب عذابي » . الوجه الثالث : أن يكون قوله : هُمْ عائدا إلى الكل ، وذلك لأن درجات أهل الثواب متفاوتة ، ودرجات أهل العقاب أيضا متفاوتة على حسب تفاوت أعمال الخلق ، لأنه تعالى قال : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ